تساؤل تردَّد خلال حياة المسيح على الأرض قبل ألفي عام، والإنجيل سجل الوقائع كما وردت، وعرّف بطبيعة من تساءلوا، وكيف ولماذا تساءلوا.
تساءل بعضهم استنكاراً لحقيقة مَثَلت أمامهم واضحة في نور الشمس، إنما على غير ما رغبوا، فانزعجوا وقالوا مستنكرين: من هو هذا؟! وبعض آخر تساءلوا يغالبهم الخوف على مصالح ومكتسبات قد تتعرض للضياع لو صُدِّق ما أشيع عن المسيح من مجدٍ وجلال، فتساءلوا بارتياب: من هو هذا؟!
وآخرون تساءلوا بإعجاب بعد أن لاحظوا فيه ما يفوق القدرة على الاستيعاب، فتساءلوا باندهاش قائلين: من هو هذا؟! والأمثلة على تلك المواقف عديدة، وإليك بعضها.
صُعق الحاضرون من اليهود وتساءلوا مستنكرين: من هو هذا الذي يغفر الخطايا؟ أليس غفران الخطايا من اختصاص الله وحده؟! (لو 7: 36-50).
واستمرَّت الحيرة في ذهن الرجل إلى أن انتهت أيامه، وخسر الأبدية رغم سهولة الوصول إليها، فالمسيح (كإنسان) كان في عرف النظام يُعدُّ كواحد من رعاياه! (لو 9: 7-9).
فقام، وانتهر الريح وتموّج المياه، فهدأت العاصفة في الحال، وكأنَّ شيئاً لم يكن! فذهل هؤلاء وتهامسوا فيما بينهم متعجبين، وقالوا: «من هو هذا فإنه يأمر الريح أيضاً والماء فتطيعه»؟! (لو8: 25).
ويتوقف البعض عند مجرد التساؤل بصمت، وتنطوي الصفحة، ويفوت قطار الزمن، وينتقل هذا أو ذاك إلى عالم الأبدية في جهل لأعظم حقيقة يتوقف عليها المصير الأبدي!
التقى المسيح يوماً بجماعة من اليهود في بيت، ودخلت امرأة خاطئة وبيدها قارورة طيب، فسكبتها على رجليه ومسحتهما بشعر رأسها وهي تبكي ندماً على ماضيها، فردَّ عليها قائلاً: «مغفورة لك خطاياك» (لو7: 48)ويتكرر المشهد لكن هذه المرة مع إنسان وثنيِّ صاحب شأن عال، هو هيرودس ملك البلاد. فهيرودس كان قد سمع عن المسيح، ووصله خبر معجزاته العظيمة، وقيل له: لعل هذا هو يوحنا المعمدان الذي قُطعت رأسه وقام من الأموات. فارتاب الرجل وداخله الخوف ووقع في حيرة وتساءل: من هو هذا الذي أسمع عنه!والتساؤل نفسه ردَّدته جماعة من تلاميذ المسيح، وقد أبحروا في سفينة في بحيرة طبريا والمسيح معهم، فاضطجع هو في مؤخرة السفينة ونام، في سفينة ونزل نوء ريح عاصفة على البحيرة، وأخذت الأمواج تضرب السفينة بعنف، فسارعوا إليه وأيقظوه قائلين: «يا معلم إننا نهلك!» (لو8: 24).واليوم، يسمع كثيرون عن المسيح أو يقرأون عنه، ويلمحون فيه أسراراً مذهلة، ويبقى في أعماق النفس كثير من تساؤلات محيّرة حول من ترى يكون المسيح!!!
وبدورنا نتساءل:
من مثله صعد إلى السماء، لا في خيال أتباعه، بل في مشهد حي على مرأى من شهود كثيرين وفي وضح من النهار؟!
من غيره غاب ورحل وسكن السماء ووعد أن يعود ثانية إلى أرض غادرها؟! وسيأتي كما وعد. من ترك في نفوس أتباعه روح التسامح ومبادئ الرحمة والحب والحنان والمثل الإنسانية كما ترك هو؟!
ما حمل السيف يوماً، ولا نادى بحرب، ولا شكَّل جيشاً من غزاة، ولا شحن أتباعه بالخُطب الحماسية لمقارعة أعدائهم، بل قال: أحبوا، اغفروا، أحسنوا، لا تقاوموا الشر بالشر.
وقال: أنتم ملح الأرض، حافظوا على ملوحته. أنتم نور العالم، لا تضعوا السراج تحت المكيال لئلا ينطفئ... فليضئ نوركم قدام الناس لكي يروا الحقيقة فيكم ويعرفوني من خلالكم!
بقي أن نشير إلى أن هوية المسيح ومصداقيته يشهد لها سلوك شعبه المُنتمين إليه بحق من أي طائفة كانوا! فعندما تجد فيهم السماحة والصدق والأمانة وحسن الجوار، إعلم أن هوية مسيحهم التي ينادون بها هي عين الصواب.
إن مسيحاً مُزيّفاً لا يصنع في أتباعه مثل هذا المستوى من التحضرّ والخلق الحميد، فمن ثمارها تُعرف الشجرة، وهل يُجتني من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً؟!
فمن الواضح أن المسيح تميّز بشخصية لم يماثله بها أحد في الوجود، ولا يمكن مقارنته بأي مخلوق بشري. وقيل فيه الكثير من الآراء والاجتهادات والتخيلات والتخمينات. إن الباحث الجاد لن يصل إلى حقيقة «من هو المسيح» إلا بالاقتراب منه شخصياً بلا وسيط. فلو فعل، يُنتزع البرقع عن عينيه، وتسقط القشور التي حجبت الرؤيا وتتكشف الحقيقة واضحة جلية.
بمن يمكن أن يُقارن المسيح: في ميلاده، في طُهره، في نقاء سيرته، في أقواله، في معجزاته؟! فهو في كل ما له من مزايا وصفات تخطَّى كل المقاييس البشرية رفعةً وسمواً! من غيرُهُ دحر الموت في عقر داره وقام من قبره بقوة ذاتية؟!