«لا يستهن أحد بحداثتك بل كن قدوة للمؤمنين... مقدمأ نفسك في كل شيء قدوة للأعمال الحسنة» (1تى4: 12، تيط2: 7)
اهتم الكتاب المقدس اهتماماً خاصاً بموضوع القدوة ونقرأ في عظة الرب الشهيرة إنه قال لسامعيه «فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات» (مت5: 16) وقال أيضاً «وأما من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السموات» (مت5: 19) وحينما أراد أن يقدم نفسه لهم القدوة والمثال القوي قال: «تعلموا منى لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم» (مت11: 29)
وحينما رأى التلاميذ يسعون نحو العظمة والمراكز الأولى في المجتمع أقام في وسطهم ولداً وكانت كلماته لجميعهم «الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السموات» (مت18: 1 - 4) ولنا في هذا الموضوع حقيقتان.
بيت تيموثاوس الذي كانت له الأم والجدّة مثالاً صالحاً ورائعاً جعل منه راعياً لكنيسة أفسس التي تعد من عظيمات الكنائس في ذلك الوقت. قال عنه بولس الرسول الذي يعتبر له الأب الروحي والمشجع «إذا اتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك افنيكي ولكني موقن أنه فيك أيضاً» (اتي1: 5) ويعذو بولس هذا لأنه «وإنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك بالإيمان الذي في المسيح» (2في 3: 15)
فهذا هو البيت المسيحي ودوره الذي لا يستهان به في ربط النشئ منذ نعومة اظفاره بالكتاب المقدس والتعاليم التي تقود للتقويم.
ويقول الرسول بولس للشاب تيموثاوس «لايستهن أحد بحداثتك بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام في التصرف في المحبة في الروح في الإيمان في الطهارة»
وينبر بولس الرسول على كنيسة كولوسى أن يكون لها الاهتمام بالسلوك تجاه الذين هم من خارج «فاسلكوا بحكمة من جهة الذين هم من خارج» (كو4: 5) وكذلك لكنيسة رومية «معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس» (رو12: 17)
ويُذّكر الرسول بطرس المؤمنين في كنائس الشتات «أن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة لكى يكونوا في ما يفترون عليكم كفا على شرّ يمجدون الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنه التى يلاحظونها (1بط: 1: 12)
وقال الرسول بولس «لأننا صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس» (1كو 4: 9) وقد أعلن بولس أن جميع المؤمنين هم رسالة مفتوحة لكل الناس «أنتم رسالتنا مكتوبة في قلوبنا معروفة ومقروءة من جميع الناس» (2كو3: 2) فرسالة الكلمة محدودة على جماعة رواد الكنائس فقط يسمعونها من على المنابر، ولكن عظة الحياة المتحركة النابضة تكلم الجميع بأعظم لسان وأحمل بيان، فالمؤمن القدوة هو البشارة الخامسة الواضحة التي تشهد بصدقها. «بل مقدمين كل أمانة صالحة لكي يزينوا تعاليم مخلصنا الله في كل شئ» (تيط2: 10)
وسفر الأعمال يضع أمامنا مشهداً حيّا لما للحياة المسيحية من قوة في تأثيرها وفاعليتها. فنراه في معاملة بولس لسجان فيلبى الفظ الغليظ القلب القاسى المشاعر بحكم مهنته ومعاملته مع المتهمين.
وعندما حدثت الزلزلة العظيمة التى فتحت أبواب السجن وحلت المساجين من القيود، استيقظ السجان ورأى المنظر فاستل سيفه ليقتل نفسه هرباً من العقاب، ولكن بولس ناداه من الداخل بصوت عظيم «لا تفعل بنفسك شيئاً رديئاً لأننا جميعنا ههنا» (اع 16: 29)
وبعد أن تأكد من الحقيقة، كانت كلمات المحبة الغامرة قد عملت في قلبه عمل السحر وذاب، وتحول إلى إنسان آخر ففى بداية الليل كان الرجل الشرس المتغطرس الذي لا يرحم، ولكن نراه الآن متواضعاً يسجد للرسولين ويسترحمهما وآمن هو وأهل بيته.
وما اكبر الفرق بين معاملاته قبل الإيمان وبعده. إذ غسّل الجرحات وأولم لهما وليمة عظيمة.
وحينما علم بطرس الرسول عن المظالم التي حلت بالمؤمنين في الشتات أرسل إليهم قائلاً «فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً مثالاً لكي نتبع خطواته (1بط2: 21-23)
ورسالة فيلبي ترسم لنا مشهداً رائعاً لما تفعله القدوة في تشجيع الخائفين «إن وثقى صارت ظاهرة في المسيح في كل دار الولاية وفي باقي الأماكن أجمع وأكثر الأخوة وهم واثقون في الرب بوثقي يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف» (فيلبي1: 13، 14)
ويسطر الرسول بطرس كلمات من ذهب عن حياة السيدات المؤمنات اللاتى يربحن رجالهن للمسيح «كذلكن أيتها النساء كن خاضعات لرجالكن حتى وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة يربحون بسيرة النساء وبدون كلمة» (1بط 3: 10)
ونحن نعلن على هذه الصفحات المحدودة إن كثيرين من الذين لم يدخلوا كنيسة ولم يسمعوا أي عظة، ولم يفتحوا الكتاب المقدس مرّة في حياتهم، ربحتهم النعمة عن طريق سيرة وحياة المؤمنين والمؤمنات.
ليتنا نختصر من الكلام الأجوف ولنكثر من عمل الإيمان الذي ينشر رائحته المنعشة في جذب النفوس الضالة، لتصبح الجندي العامل في جيش الرب لقهر ابليس وجنوده عاملين بكلمة الرسول يوحنا «لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق» (1يو3: 18).