إن ميلاد السيد المسيح دعوة لتغيير الشخص ليؤثر في الدوائر الضيقة وصولاً من الأسرة والأمة، بل إلى العالم كله.. وهل في هذا استحالة؟.. لا شيء مستحيل لدى الله.. فميلاد المسيح يضعنا في موقع التحدى. إذ من الممكن أن نغيّر العالم إذا ما بدأنا بنفوسنا أولاً.. العالم يحتاج اليوم إلى إنسان جديد يستطيع أن يقول: «الكل قد صار جديداً».
دعوة للتغيير
نحن قادرون على أن نغيّر العالم... لا استحالة... قال نابليون: أود أن أحذف من قاموس اللغة كلمة مستحيل، ولكن تغيير العالم يبدأ بإنسان واحد، وقد ولد المسيح لهذا السبب. لذلك يدعو كل واحد بشخصه إلى أن يتغيّر.
العالم يحتاج إلى إنسان متغيّر ليغيّره ولا يوجد زمن مستحيل أو وقت ضاع، بل الحاجة إلى متغيّرين ليؤثروا فما هو التغيير؟
دوائر التغيير
يتم التغيير من الخطية إلى البر. لقد عشنا في الخطية واعتدنا عليها، عشنا عبيد الرغبة الحسية والشهوة المادية والانحدار إلى التجربة في الخطية، شأننا ككل الناس. وهذه هي الطبيعة البشرية.
نحن نعيش في عالم الخطية ونحن جزء من هذا العالم، نحن أشبه بأطفال يتزحلقون على لعبة منحدرة، ونسير في الطابور نفسه ثم نعود للتزحلق، فعلينا أشياء يجب ألا نفعلها إذا حاولنا تصحيح المسار وفشلنا.
نوع التغيير
يقول الرسول بولس: «عندما أريد أن أفعل الحسنى أجد الشر حاضراً أمامي» وحتى بعد أن مارسنا العبادة والصلاة وعرفنا الفرق بين النور والظلمة، وأدركنا ما هي الخطية، إلا أننا عثرنا وسقطنا وعرجنا بين الأمرين.
نحن نجيد التبريرات ونتعاطى المسكنات ونقدم الحسنات ونُكثر من الصلوات، ولكن نفعل ذات السيئات، لأننا في الحقيقة لم نتغيّر، بل لم نعرف المعنى الحقيقي للتغيير. ولأننا لم نتغيّر وإنما جملَّنا الصورة وأخفينا الشروخ والشقوق، وكسونا القديم بثياب فاخرة، ولكن الداخل كما هو.. فكانت المشكلة إحساساً بالذنب. والعلاج ليس في مزيد من الأنشطة الكنسية أو الدينية أو الروحية، ولا حتى بإضافة بعض الأصدقاء، أو تغيير نوع العلاقات، بل الحاجة الحقيقية هي للتغيير الكامل، «نخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور» نطرح الثوب العتيق ونلبس الجديد، بل لنصبح الإنسان الآخر، وكفانا حديثاً وخطباً ودموعاً، فالحاجة إلى إعادة صياغة من جديد.
التغيير ومجالاته
ميلاده دعوة شخصية للتغيير «تغيروا عن شكلكم، لا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد اذهانكم. لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة» (رو12: 1) ولا يمكن فهم طرق الله وإرادة الله الصالحة المرضية ما لم يحدث توافق في العقل والقلب والفكر والروح، حتى نفهم مشيئة الله من جهتنا.
إن ميلاد المسيح يدعونا إلى حياة التوافقية مع إرادة الله الصالحة المرضية، هناك تشابه مزيف وليس توافقاً، ويصفهم الرسول بولس بالقول: إنهم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيّرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح. بل وبولس الرسول لا يستغرب أبداً هذا التغيير المزيف بالقول: «ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور» (2كو11: 14)
ولد المسيح ليقود إلى الاتجاه الصحيح وهذا يقتضى تجديداً متوافقاً مع الطريق الصحيح «أنا هو الطريق من يتبعني لا يمشي في الظلمة» لأنه لا اتفاق بين النور والظلمة، إذا حضر الواحد هرب الآخر ولا تصالح بينهما. والتغيير هنا معناه موت يسبق حياة وليس حياة وموت. والموت هنا «مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ» (غلا 2: 20)
أحياناً يوجد تديّن زائف وباطل يذكره النبي أرميا وهو التدين الباطل الذي لا ينفع «ها أنكم متكلون على كلام الكذب الذي لا ينفع، أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذباً وتسيرون وراء آلهة أخرى، ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعى باسمي عليه» (ار 7: 8-10) وهكذا رفض الله اي تديُن زائف وعبادة باطلة.
والتغييّر أيضاً يتم في حياة البساطة، ولكي يشرح المسيح معنى حياة البساطة، بينما كان تلاميذه يتساءلون عن العظمة أقام في وسطهم ولداً صغيراً وقال: «الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السماوات» (مت18: 3) بمعنى أن نعود إلى بساطة الأطفال وتواضع رغباتهم والثقة والطمأنينة في قدرة أبائهم أو معلميهم.
ليتنا نراجع أنماط حياتنا ونعود إلى المسيح ليُغيِّنرنا ولنتخلى عن الديانة الزائفة ونعود في بساطة وثقة فنكون آداة الله لتغيير عالمنا.