صفحة البداية » كتاب الشهر » 2010-2 » مشاعر المرارة؟
مشاعر المرارة؟

بقلم :القس: عزت شاكر عرض: نبيلة توفيق
كتابنا هذا الشهر يدخل بنا إلى حجرة العمليات لاستئصال مشاعر مرارة حفرتها الأيام في خواطرنا وجعلتنا نقف في يأس لاستعادة علاقة تحطمت أو استعادة ما فقدناه، وتاهت أقدامنا عن سبيل شفاء جراح لم تفلح الأيام في شفاءها، وسيطرت علينا هواجس تدّعي أن غفراني يعني ضعف وسلبية وضياع لحقوقي.. ومن خلال السطور يدق كاتبنا ناقوس الخطر لكل من يحمل مشاعر المرارة في حياته، مقدماً دعوة لنتمتع بحرية الغفران.
الشعور بالمرارة حالة تصيب الإنسان عندما يعجز عن أن يغفر للآخرين، أو يغفر غفراناً ناقصاً أو شكلياً نتيجة جرح، احتقار، إهمال، رفض، افتراء، إهانة، ظلم، أذي، أو ضرر وقع عليه.
وعندما تتملك المرارة الإنسان فإنها تجعله كالأعمي وتسبب له كثيراً من الأمراض الجسدية والنفسية وتقوده إلى العزلة والانطواء. والمرارة تحرمنا من القدرة على النقد الذاتي وتشل قدراتنا فنفقد بهجة الحياة وتحرمنا من النمو الروحي فتتوتر علاقتنا بالله وبالتالي تُعيق شهادتنا للمسيح.
شخصيات دمرتها المرارة
من الشخصيات التي دمرتها المرارة شخصية هامان الذي امتلأ قلبه بالغضب والكراهية لمردخاي ودفعته هذه المرارة ليفكر في إبادة كل الشعب اليهودي. إلا أن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضا، فكان الهلاك له ولبنيه العشرة.
والشخصية الأخري شخصية أبشالوم الذي بدأ قصته مع المرارة بعد أن اغتصب آمنون أخته ثامار، وتوقف الحوار بينه وبين أخيه، وما أصعب وأسوأ الهدوء والصمت عندما يكون ستاراً لمرارة داخلية، فغالباً يكون العنف والانتقام أشد مرارة وشراسة، خاصة عندما تهاون الأب مع الابن المذنب أمنون، فتملكت أبشالوم مشاعر الرفض لأبيه الذي يُميّز بين أولاده. ولذلك دبر مؤامرة قتل أبيه ولكن كان الموت نصيبه.
أما اخيتوفل الذي كان رجل مشورة وفهم وكان من أهم مشيري داود، بدأ الحقد والغل في قلبه مع سقوط داود في الخطية مع حفيدته بثشبع زوجة أوريا الحثي، وكبت الغضب في قلبه وتمكنت منه المرارة فنجده يقدم مشورة شيطانية مدمرة لأبشالوم، وعندما لم يؤخذ بمشورته اغتاظ وخنق نفسه.
شخصيات انتصرت علي المرارة
من يدرس شخصية اسحق يجد أنه أمام شخص رقيق المشاعر هادئ الطباع لم يسىء إلى أحد ولم يعرف الكراهية ولا الحقد قط، بالرغم أنه جرح واهين من أخيه إسماعيل في أيام الطفولة، وبدون شك امتلأ بمشاعر مرعبة عندما مد أباه يده بالسكين ليذبحه، وظلم في جرار عندما ردم الفلسطينيون آباره، وعندما طرده أبيمالك، وخدع عندما خيّب ابنه عيسو آماله، واستخف يعقوب بشيبته إلا أن مشاعر المرارة لم تعرف طريقها إلى قلبه؛ لأنه يدرك أنه ابن الموعد وكان رجل صلاة يعيش في سلام مع الله.
أما شخصية يوسف فهو من أعظم الشخصيات الكتابية، وبالرغم من أنه جُرح من القريب والبعيد جراح عميقة كانت من السهل أن تحطم حياته ومستقبله، إلا انه استطاع أن ينتصر على مشاعر المرارة بقوة الإيمان ويقدم لنا نموذجاً رائعاً في الغفران العملي.
وأما النموذج الآخر فهو شخصية داود المتميّزة في الغفران بالرغم من أنه كان يعيش في ظل الناموس ولم يسمع عن تعاليم المسيح، إلا أنه كان يجسدها في حياته، كيف لا وقد شهد الرب عنه قائلا: «وجدت داود بن يسي رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي» (اع22:13)
كيف نشفي؟
لا يمكن أن نسترد صحتنا النفسية والفكرية والروحية إلا إذا شفينا من مشاعر المرارة، ولن يكون الشفاء الكامل، ولا محاولة تجاهل الإساءة أو تجنب الشخص المسئ، إلا من خلال الغفران الكامل. فالصمت لا يشفي مشاعر المرارة كما أن الغفران لا يحدث بمرور الزمن وليس الغفران الشكلي حلاً أو الاستسلام للأمر الواقع.
فالغفران قرار إرادي يتبعه التخلص من الإحساس بالبغض والكراهية والتخلي عن روح الانتقام. وأخيراً... «إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل أثم»
مشاعر المرارة.. أسبابها ومخاطرها