بقلم :د. نادية حليم سليمان
القبول المجتمعي وإمكانيات التغيير:
يقود الحديث عن حقوق النساء عادة إلى إشعال النقاش، لأنه يتعلق بالاختلافات العريضة في الرأي حول العلاقة بين حقوق المرأة، والقانون، والثقافة التى ترتبط في بعض مكوناتها بالدين.
ويشتبك الحديث عن حقوق المرأة بحقوق الإنسان، وبالديموقراطية، وبالمواطنة. فالديموقراطية تعني أن يسهم الجميع في رسم السياسات، ووضع التشريعات.
أما مبدأ المواطنة فهو يوجب كفالة مساواة الجميع أمام القانون، وحفظ حقوق الآخرين، والعدالة الاجتماعية.
ولنطرح السؤال: هل المرأة إنسان؟ وهل هي مواطن؟ وهل من حقها المشاركة؟ وإذا كانت الإجابة بنعم: فما هو الموقف الفعلي للمرأة؟
هناك ثلاثة مستويات لإنجاز الأهداف:
مستوى السياسات. ومستوى التخطيط والإجراءات. ثم مستوى الإنجازات وما يواجهها من تحديات.
واستعراض الموقف من قضايا المرأة يوضّح التقدم الملحوظ على مستوى السياسات التى تمت صياغتها وفق الإلتزامات الدولية، وكانت مصر ولا زالت شريكاً كاملاً ، ونشطاً في المحافل الدولية المعنية.
وينص الدستور المصري، والقوانين المكمّلة له على مبدأ المساواة. كما تبنت مصر خطط عمل تعكس التوجه الاستراتيجي.
وعلى مستوى الانجازات حدث تقدم ملموس غير أن إحداث تغيير جزرى، لإرساء مبادئ المواطنة للمرأة والمساواة يواجة الصعوبات.
تعظيم الإنجازات يتطلب الوعي بالتحديات:
يتطلب الحصول على الإنجازات أن نعي التحديات، وهي أهمية تطوير ثقافة المجتمع، وتصحيح المفاهيم السلبية التى تحد من أنطلاقها، والتي تحجم قدرات ومواهب المرأة، وتحرم المجتمع من الاستفادة من طاقات كل فرد فيه.
ورغم أهمية القوانين إلا أنها تتفاعل في وسط ثقافي قد يفرغ القانون من مضمونه.
الثقافة ليست وحدة متجانسة:
لا توجد ثقافة واحدة متجانسة، في أي مجتمع، ومنظومة القيم تتباين حسب المستويات التعليمية والاقتصادية، والتنوع الجغرافي، وتباين المصالح.
الثقافة قابلة للتغيير:
رغم عمق الثقافة، وشدة تأثيرها إلا أنها ليست عصية على التغيير، إذا أمكن تكوين اهتمامات وتعاريف جديدة عبر وسائل واضحة ومقنعة.
كما أن تغيير الثقافة يحتاج إلى إعمال ملكات العقل، وقراءة التحولات المجتمعية قراءة تحليلية نقدية، والإيمان بفلسفة التغيير.
إنجازات تحققت:
الترشيح والانتخاب:
منذ عام 1952 لها الحق في الترشيح والانتخاب. وفي ظل دستور 1971 تم تعديل قانون القيد في الانتخابات لينص على حق مباشرة الحقوق السياسية الذكور أو الإناث.
نظام العاملين:
ينص القانون الخاص رقم 47 لسنة 1978 على تطبيق المساواة بين الرجل والمرأة في المرتب والعلاوات.
المجلس القومي للمرأة:
ولمواجهة العنف ضد المرأة؛ صدرت قوانين متعددة لحمايتها وحدث تغيير في التشريع الخاص بعقوبة مرتكب جريمة الاغتصاب ، وتُبذل الجهود لتوحيد عقوبة الرجل والمرأة في جريمة الخيانة الزوجية.
إنشاء المجلس القومي للمرأة كمؤسسة حكومية تتبع رئيس الجمهورية لتكون جهة مسئولة عن تحسين أوضاع النساء ومعالجة فوارق النوع الاجتماعي.
قانون الجنسية:
منح الجنسية لأبناء المرأة المصرية المتزوجة من غير مصري.
إقرار قانون الخلع.
حق الأم في إستخراج شهادة ميلاد الطفل والبطاقة الصحية في حالة امتناع الأب.
الحق في إثبات نسب الأبناء من زواج عرفي، والحق في رفع دعوى طلاق.
حق الزوج والزوجة في معاش الآخّر بعد الوفاة.
وتضمنت التعديلات الأخيرة على قانون الطفل التي حدثت عام 2008 عدة نقاط:
* رفع سن الزواج إلى 18 سنة للولد والبنت.
* تجريم زواج القاصرات.
* تجريم الختان.
وتعود مسيرة نضال المرأة للقرن الثامن عشر.
عام 1865: كانت جليلة تمرهان أول كاتبة صحفية تكتب في مجلة «يعسوب الطب».
وفي عام 1892: أصدرت هند نوفل أول مجلة نسائية في مصر باسم (الفتاة)
في عام 1872: دعا رفاعة الطهطاوي في كتابه «المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين» إلى تعليم الفتاة. والآن تصل نسبة البنات في مراحل التعليم إلى 50%
في عام 1920: تصدرت نبوية موسى في كتاب «المرأة والعمل» للأراء المعارضة لعمل المرأة، ووصلت عمالة المرأة الآن إلى 23%
والنسبة في درجات مدير عام 27.6% والدرجات العالية 21.8% والدرجات الممتازة 13.1% وتحتل المرأة نسبة 3.8% في درجة وزير وإلى أكثر من ثلث العاملين في السلك الدبلوماسي. وترأس التليفزيون الوطني إمرأة.وتشغل المرأة منصب المدير أو نائب المدير في 7 من 10 محطات تليفزيونية.
تبلغ نسبة مشاركة المرأة في النقابات 17% من إجمالي عدد الأعضاء.
زادت أعداد السيدات المقيدات في جداول الانتخابات إلى أكثر من 40%
عُينت أول قاضية عام 2003، ثم تم تعيين 3 قاضيات، ثم 31 قاضية ثم 30 ولدينا الآن عمدة، ورئيسة حي، ومأذونة. وهناك العديد من سيدات الأعمال.
وفي مجلس الشعب وكيلة لمجلس الشعب، ورئيسة لعدة لجان فيه ويتم تخصيص 64 مقعداً. لتحقيق التواجد المقبول للمرأة تحت قبة البرلمان في انتخابات 2010.
معوقات الإنجاز:
لا يزال التيار الأعلى صوتاً هو ما يريد تكريس الوضعية الدونية للمرأة بدعوى «المواءمة الاجتماعية» ومن الأسباب والمعوقات ما يلي:
- الثقافة السائدة ثقافة ذكورية تمجد الرجل، وهي ثقافة لا تعي مبادئ الديموقراطية ولا تؤمن بها ولا تمارسها.
- موقف المرأة السلبي من الاستفادة من الجهود المبذولة لتطوير أوضاعها بل تتقبل الممارسات الضارة بها، وهي في أحيان كثيرة تكون أكثر تشييعاً لمبدأ التمييز لصالح الرجل. فتظهر القوانين وتصمت النساء أمامها.
هذا الموقف موجود في الكنيسة أيضاً، حيث تقاوم المرأة أي تطوير لوضعها، حتى مع صدور قرارات تتضمن ذلك.
- سيطرة الفكر التقليدي حول المرأة وأدوارها وصلاحياتها، ولازالت القناعة السائدة أن أصلح الأدوار لها، هو البيت وتربية الأبناء. وهذا موجود أيضاً في الكنيسة.
لا يمكن تحقيق نقلة نوعية في واقع المرأة في محيط ثقافي معاكس. إلا إذا حدث تغيير جزري في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمرأة، وفي موقف المؤسسة الدينية.
- هناك صعوبات حول الخطاب الديني في أديان أخرى ولكنها ليست قائمة في المسيحية حيث لا ذكر ولا أنثى في الفكر المسيحي بل تفعيل شامل منذ الخليقة الأولى. وعندما تشوهت الصورة أعادها الرب يسوع، فنقد مرثا لأنشغالها بدور تقليدي للمرأة، ودعا المرأة لتكون مبشرة ومعلمة وكارزة، ومشاركة في الحياة العامة، وموفدة في أعظم مهمة دبلوماسية مقدسة. ولم يتهمها الكتاب المقدس بأن شهادتها منقوصة.
رغم كل المعوقات السابقة أمام تغيير وضع المرأة في المجتمع المصري، فإن طريق التغيير لم يتوقف.
علينا بإعلاء ونشر قيم الإستنارة والعقل، والاحتكام إلى قوانين التقدم، والقراءة الصحيحة لكل ما يحكم تفكيرنا ويصيغ عقولنا، ويتحكم في سلوكنا ، نتمسك بما فيه من إيجابيات تبنى وتدفع إلى الأمام ونرفض ما لا يؤدي إلى ذلك.
الجتمع الكنسي
وأختم بتطبيق صغير لما سبق من أفكار على مجتمعنا الكنسي ونحن نناقش قضية اليوم وهي رسامة المرأة قسيسة.
الكنيسة الإنجيلية المشيخية كانت دائماً حاملة مشعل التنوير، رائدة للمجتمع، تقوده إلى التحديث، فهل أصبحت الآن ترفع شأنها شأن المجتمع شعار المواءمة الاجتماعية؟ وهل يصلح أن نرفع هذا الشعار أمام حق كتابي واضح؟
إن بناء الوعي يحتاج إلى برنامج مرسوم، وجهود مخططة حتى يتكون رأي عام مساند لقضية ما. ولأعطى مثالاً على ذلك ما حدث عند تعيين المرأة قاضية، حيث تم تعيين واحدة ، ثم ثلاثة ثم 31 ثم 30 وهكذا أصبح الطريق الآن معبَّداً بعد أن أصبحت هناك قناعة أكيدة الآن أن المرأة تمارس القضاء بكل مستوياته بكفاءة عالية. والوقت قادم لا محال لتتخرج المرأة من كلية الحقوق لكي تصل إلى سلك القضاء من بداية الطريق وليس بالتعيين.
وقبل أن نتحدث عن رسامة المرأة قسيسة، أتساءل هل تم تجهيز المجتمع والرأى العام لقبول الفكرة، ماذا فعلنا لإحداث هذه التهيئة؟
إن المشوار الذي يعود إلى عام 1972 وحتى عام 2006 لمناقشة رسامة المرأة شيخة، إنتهى بقرار سنودسي بالموافقة على رسامتها شيخاً مدبراً بينما هي عملياً تعّلم. ولم تتجاوب الكنائس حتى من أعلن بوضوح عن موافقته، إذ لم يقم برسامة شيخات في كنيسته، أيضاً بسبب المواءمة الاجتماعية. ولم يبذل أحد جهداً لاقناع الشعب.
وتواجة المرأة في الكنيسة بكل ما يحجم وضعها، تماماً كما يفعل المجتمع، غير أن هذا الموقف لم يمنع المجتمع من أن تستمر مسيرة التطور فيه، فأين نحن من ذلك؟
عدد الكنائس التى رسمت شيخات يُعد على أصابع اليد الواحدة.
كم ندوة عقدت؟ كم عظة تناولت الموقف اللاهوتي لدور المرأة في الكنيسة؟
كم مقالاً تناول هذا الموضوع في مجلاتنا المسيحية وجرائدنا وقنواتنا الفضائية؟
إذا قمنا بعمل استطلاع الآن حول قبول المرأة شيخة في الكنيسة فكم يا ترى ستكون نسب المعارضة من السيدات قبل الرجال؟
إذا لم يحتل هذا الموضوع بؤرة الأهمية على مستوى مجامعنا وكنائسنا فلا سبيل إلى حدوث التغيير.
وإذا لم تُتح الحرية الفكرية دون مصادرة أو تكفير لتناول كل الآراء والاجتهادات حتى نصل إلى قناعة لا يشوبها شك، فلا سبيل إلى إصدار قوانين وقرارات محكوم عليها أن تظل حبيسة الأدراج بل الأوراق التى كُتبت عليها.